ابن عجيبة
261
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 148 إلى 149 ] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) قلت : « عجلا » : مفعول أول لاتخذ ، و « جسدا » : بدل منه ، وحذف الثاني - أي : « إلها » - لدلالة أوله ، و ( له خوار ) : نعت له . يقول الحق جل جلاله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي : من بعد ذهابه للميقات ، مِنْ حُلِيِّهِمْ التي كانوا استعاروها من القبط ، حين هموا بالخروج من مصر ، وإضافتها إليهم ؛ لأنها كانت تحت أيديهم ، فصنع لهم منها السامري عِجْلًا جَسَداً بلا روح ، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل ، فصار لَهُ خُوارٌ ، فقال لهم : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ، فعكفوا على عبادته ، واتخذوه إلها . قال تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أي : ألم يروا ، حين اتخذوه إلها ، أنه لا يقدر على كلام ، ولا على إرشاد سبيل ، كآحاد البشر ، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر ، وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر . قال تعالى : اتَّخَذُوهُ إلها وَكانُوا ظالِمِينَ في اتخاذه ، وضعوا الأشياء في غير محلها ، أي : كانت عادتهم الظلم ، فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم . وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ؛ كناية عن اشتداد ندمهم ، فإن النادم المتحسر يعض يده غما ، فتصير يده مسقوطا فيها . أو يسقط رأسه ، أي : يطأطئها لبعض يده . وقال الدميامينى : العرب تضرب الأمثال بالأعضاء ، ولا تريد أعيانها ، تقول للنادم : يسقط في يده ، وفي الذليل : رغم أنفه . ه . أي : ولمّا ندموا على ما فعلوا ، وَرَأَوْا أي : علموا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا باتخاذ العجل ، قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا بالتجاوز عن خطيئتنا ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ دنيا وأخرى . الإشارة : كل من ركن إلى شئ وعكف على محبته من دون اللّه فهو في حقه عجل يعبده من دون اللّه ، « ما أحببت شيئا إلا وكنت عبدا له ، وهو لا يحب أن تكون عبدا لغيره » . عافانا اللّه من ذلك .